محمد متولي الشعراوي

9077

تفسير الشعراوي

قد تترك هذه المسألة ظلالاً فلي نفسه وتُساوِره الشكوك في أمه ، فأراد أنْ يقطع كل هذه الظنون . ذلك لأنه هو نفسه الدليل ، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه ، والدليل لا يُشكِّك في المدلول ، فكأنه يقول للقوم : إياكم أنْ تظنوا أني سأتجرأ على أمي ، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها . ثم يقول : { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } [ مريم : 32 ] فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم ؛ لأن الرسول لابُدَّ أنْ يكون ليِّنَ الجانب رفيقاً بقومه ؛ لأنه أتى ليُخرِج الناس مِمَّا ألِفُوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من الطاعة . والإنسان بطبعه حين يألَف الفساد يكره مَنْ يُخرِجه عن فساده ، فمن الطبيعي أن يتعرّض النبي لاستفزاز القوم وعنَادهم ومكابرتهم ، فلو لم يكُنْ ليِّن الجانب ، رقيق الكلمة ، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما صلح لهذه المهمة . لذلك يخاطب الحق تبارك وتعالى نبيه محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله : { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] . ومعنى { شَقِيّاً } [ مريم : 32 ] أي : عاصياً ، وما أبعدَ مَنْ هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان . ثم يقول تعالى عن عيسى عليه السلام أنه قال : { والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ } سبق أن قلنا في قصة يحيى عليه السلام : إن هذه الأحداث أعلام